نحو الاقتصاد المعرفي

التوجه للاقتصاد المعرفي هو خيار لحل مشكلة اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط والصناعات البترولية، فتعتبر المملكة الدولة رقم 11 عالمياً في مجال إنتاج وتصدير البتروكيماويات، ويقدر انتاجها بسبعة بالمائة من الإنتاج العالمي، كما أن الاحتياطي من البترول، يبلغ 19% من الاحتياطي العالمي، وتنتج ما نسبته 12% من الإنتاج العالمي. ولقد أنجزت المملكة تنفيذ خطة زيادة الطاقة الإنتاجية لتبلغ 12,5 مليون برميل في اليوم. الدخل الهائل من البترول، وصناعة البيتروكيميائيات السعودية العالمية جعل الانتقال للاقتصاد المعرفي في القطاعات الغير بترولية في المملكة يتأخر عن الدول الأخرى، وأعطى المملكة القدرة على وضع خططها وتنفيذها وبدون ضغوط زمنية واقتصادية.

من ناحية، أخرى جهود الحكومة السعودية استطاعت رفع الرقم القياسي للاقتصاد المعرفي السعودي من 5.02 سنة 1995م إلى 5.96 في سنة 2012م، وهو يعتبر إنجازاً مهماً في وقت كان هذا الرقم مرشحاً للهبوط. وبالرغم من هذا الرقم أعلى من المتوسط العالمي للدول العالية الدخل، فإن ترتيب المملكة هو الخمسون بين دول العالم حسب تقرير البنك الدولي.

غياب الضغط الزمني للتحول نحو الاقتصاد المعرفي ادى الى تأخر وضع السياسات والاستراتيجيات لبناء البرامج ووضع الميزانيات، والى بطء في تكامل نمو بيئة الاقتصاد المعرفي السعودي لتكون بيئة فاعلة لتحفيز ظهور وتطور واستثمار الاختراع والابتكار السعودي في الخطط والسياسات المنفذة حاليا. وللوصول لبيئة فاعلة ومنتجة يجب أن تتخذ مؤسسات الدولة تغييرات شاملة للأنظمة الإدارية والقانونية والتجارية والمالية والاستثمارية وبالنظر إلى التغيرات الاقتصادية العالمية وخيار المملكة الاستراتيجي نحو تنويع مصادر الدخل والتوجه نحو الاقتصاد المعرفي فإن هذا التغيير يجب أن يكون سريعاً وشاملاً.

الاستثمار المعرفي في المملكة مازال قليلا، وضعيف التأثير. فنجد مثلا في قائمة الشركات الأكبر في المملكة أن من يسيطر عليها هم البنوك وشركات الخدمات، وعدد قليل من الشركات المعتمدة الاستثمار في المعرفة التي من أبرزها الشركة السعودية للصناعات الاساسية – سابك التي تعتبر من الشركات الرائدة في العالم القائمة على استثمارات لبراءات الاختراع، عدد البراءات التي حصلت عليها 377 براءة اختراع، و 493 طلب تسجيل لبراءة، وأكثر من 5000 براءة نتيجة شراءها لشركة البلاستيك المملوكة لجي أي بلاستيك

تتمتع المملكة ببنية تحتية جيدة من الناحية المادية، والموارد البشرية، و تقنية المعلومات والاتصالات على وجه الخصوص. ومع ذلك، فأن الابتكار التقني وبناء المنتجات والخدمات القائمة على المعرفة في المملكة لا يتناسب مع حجم مواردها الاقتصادية المتاحة، ولا بنيتها الاقتصادية القوية. الاقتصاد السعودي قادر على تكوين فرص كبير لنمو الشركات المحلية القائمة على التقنية، لا سيما الصغيرة والمتوسطة الحجم منها، إذا ما تم تطويرها بشكل سليم وربطها بأسواق الاستهلاك المحلية والعالمية.

أكثر من ثلث الشركات التي صنفتها مجلة فورتشن ضم أكبر 500 شركة صناعية في الولايات المتحدة عام 1970 ليست موجودة ضمن القائمة عام 1983، بسبب بموتها، أو بشرائها، أو باندماجها مع شركات منافسة أخرى. بل أن أربعمائة وتسعة وعشرون من أكبر الشركات الأمريكية الخمسمائة في عام 1955التي صنفت في نفس القائمة اختفت من السوق حاليا. تلك الشركات التي حافظت على وضعها كأكبر الشركات المٌصنعة اعتمدت على الابتكار للبقاء على قيد الحياة ومحاربة المنافسين. فعلى سبيل المثال، شركة آلات الأعمال الدولية (أي بي أم) IBM في يومنا الحاضر ليست ذاتها قبل عقد من الزمن، حيث تولد غالبية إيراداتها من الخدمات الاستشارية، وأستحوذت على شركات استشارية متخصصة لبناء قدرتها على ذلك. وبالمثل، فإن جنرال إلكتريك GE اليوم تبيع التأمين والتمويل بقدر ما تبيع المعدات الثقيلة والآلات.

الابتكار مطلب أساسي للنجاح والتنمية الاقتصادية للدول ورفع مستوى معيشة المواطنين. لم يعد من المناسب النظر إلى الاقتصاد ضمن الفئات الصناعية التقليدية، مثل الزراعة والتعدين والخدمات، فنحن نعيش الآن في “اقتصاد الابتكار” الذي لم يعد من المنطقي فيه تصنيف الشركات أو المنظمات الأخرى وفقاً للمنتجات التي تنتجها. وبدلاً من ذلك يكون التصنيف استناداً إلى سياسة وبرامج تنمية الابتكار.

نشر في جريدة اليوم يناير 1, 2014

 

[printfriendly]